عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

224

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وأغصان وأوراق وأزهار وثمار ، وهو الذي ينشئ أقسام الشجرة المختلفة من الأجزاء المتساوية المتفقة في الجنسية على خلاف طبيعتها بالقدرة الكاملة ، والإرادة القديمة ، إظهارا للقدرة والحكمة ، ثم تخصيص الجزء المخصوص بالثمارية من بين الأجزاء المتساوية في الطبيعة يدل على مزيد عناية منشئه في حقه ، وله شرف بذلك ومزية على إخوانه من الأجزاء . وهذا المعنى ينبئك على مالكية منشيء الشجرة وملكيته على مملكة الشجرة وهو قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) [ الواقعة : 72 ] فبالمالكية يتصرف فيه وبالملكية يحكم على كل جزء منها بأمركن عرقا أو غصنا أو ورقا أو ثمرة ، وبالمشيئة يكونه ما يشاء كما قال تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [ القصص : 68 ] فإذا اتفق لك بهذا البرهان القطعي إن اللّه سبحانه وتعالى فاعل مختار حكيم ، فاعلم أنه الذي أنشأ شجرة العالم من بذر الروح النبوي في البداية ، ثم جعله ثمرة شجرة العالم في النهاية . ولهذا قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « نحن الآخرون السابقون » « 1 » أي الآخرون بالثمارية السابقون بالبذرية ، وجعل الأنبياء والأولياء كذلك أثمارا على أغصان الشجرة بحسب مراتبهم في القربات ، بعضهم أعلى درجة من بعض . كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ومن هذا قال - صلّى اللّه عليه وسلم - : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة » « 2 » ، لأنه بلغ من الشجرة ذروة قاب قوسين أو أدنى ، وبقي كل نبي على غصن من أغصان الشجرة وهي السماوات ، ثم جعل أشخاص بني آدم كالغراس التي تخرج من أصل الشجرة ، ولهذا قيل للإنسان العالم الصغير ، فشخص كل واحد من الأشخاص شجرة بالصورة وحقيقة وجوده مخبوءة فيها بالثمارية قد رد إلى أسفل السافلين بتعلق بذر الروح في أرض القالب ، وهي عرق شجرة الإنسانية ، فكل روح أصابه النور المرشش في عالم الأرواح وهو أصل الإيمان لم يسكن في أسفل عرق الشجرة ، وهو النفس الشهوانية المتعلقة بالدنيا وزينتها وشهواتها ، فإنه يحركه النور إلى علو أغصان الشجرة ، وهي القلب بالسير في صورة الأعمال الصالحة المأمورة الشرعية ليخرجه من ظلمات الطبيعة إلى نور الشريعة بالإيمان والعمل الصالح ، لقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ * [ الشّعراء : 227 ] والإيمان الحقيقي هو قبول كلمة اللّه التي ضرب اللّه بها مثلا كلمة طيبة وهو قول لا إله إلا اللّه كشجرة طيبة أي كغصن شجرة طيبة ، وهي شجرة التوحيد توصل بها على غصن شجرة الإنسانية وهو القلب ، أصلها ثابت أي أصل شجرة التوحيد

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .